فجأة وبدون سابق إنذار قرر المدعي العام عقد مؤتمر صحفي للتحدث عن قضايا وجرائم الفساد، ليعلن وعلى الملأ تورط شخصيات ومسؤولين من العيار الثقيل رفض الإفصاح عنها في هذه القضايا، وليعطي أمثلة وأرقام تجاوزت مئات الملايين من الدولارات من أموال وقوت الشعب، وفي توقيت أقل ما يوصف بأنه محاولة للهروب إلى الأمام.
ما كشف عنه المغني اليوم خطير للغاية، وهو وإن كنت شخصياً تناولت الكثير منه في مواضيع سابقة، إلا أنه يكتسي أهمية استثنائية هذه المرة، فالأمر أصبح رسمياً، والتحقيقات والأرقام علنية، تصل وبحسب المدعي العام لمليارات، وأن قضية واحدة مما ذكره قد تصل حجم الاختلاسات فيها إلى أكثر من 300 مليون دولار، ولم يعد بالإمكان إنكاره واتهامي أو غيري بالإدعاء، وهذا جزء مما ذكر اليوم:
· ملف الإسمنت المستخدم لبناء جدار الفصل العنصري المحال من المجلس االتشريعي · ملف الشرق الأوسط للأنابيب، المحال من المجلس التشريعي، كاشفاً أن هذا المصنع غير موجود على أرض الواقع، ويتم البحث عن أموال هذا المصنع التي هدرت. · ملف الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والفضائية الفلسطينية، حيث وجد أن هناك اختلاسات بما يزيد عن 20 مليون دولار وهناك مطالبة مالية، وقد أودعت لائحة دعوة لدى المحكمة بشأنها للمطالبة بهذه المبالغ. · ملف الاختلاس وإساءة الانتماء والنصب والاحتيال لأشخاص ذوي مكانة مرموقة وعددها أكثر من 20 قضية منها ما أودع لائحة اتهام ضدهم لدى المحاكم المختصة، والبعض الآخر لحين الانتهاء من التحقيق · ملف المتهمين ببيع أراضي الدولة إلى دولة أجنبية · عددً من الملفات الخاصة بـ" المعهد الطبي العدلي في أبو ديس، وجمعية حماية المواطن، ودائرة الترخيص لإساءة استعمال السلطة الوظيفية، وملف خاص بأحد المتهمين تم جلبه من عمان حسب الأصول، ووجهت له 30 تهمة تزوير واختلاسات وبيع أراضٍ بطرق غير قانونية، وملف مسرح الطفل والتجاوزات المالية، وملف مؤسسة زير للمقاولات. · ملفات خاصة بالهيئة العامة للبترول، وبالهيئة العامة للتبغ، وبالأراضي الوهمية المشتراة لصالح الدولة في المحافظات الشمالية، وأخرى خاصة بمدير الشرطة السابق بشأن ترخيص السيارات وحراسة البنوك، وبمركز البحوث الإنسانية والتنمية، وبجمعيات ومؤسسات عامة في المحافظات الجنوبية، وبالمخالفات المالية والإدارية لوزارة الشؤون الاجتماعية، وبإتلاف أرشيف الجوازات، وبالجمعية الخيرية لدعم الطالب. · ملف فواتير المقاصة والتي قدرت بملايين الشواكل، وملف مؤسسة الصخرة بالضفة الغربية، وملف مؤسسة البحر العربي، وملف سيارات العائدين المعفاة من الجمارك، وملف مشتريات وزارة الصحة للأدوية الممول من البنك الدولي، وملف جريدة القدس العربي، وهي تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وملف أرض العساكرة المشتراة بمستندات مزورة، وملف الأراضي الحكومية المتعاقد عليها والتي لم يلتزم المستفيدون منها بدفع أقساط المستحقات عليهم.
لسنوات طويلة بقيت ملفات الفساد في ادراج "القيادة" الفلسطينية ، ولم يغلق أي ملف منها، ولم يحاسب مسؤول واحد، وكان النفي والادعاء بالمبالغة سيد الموقف، بل وصلت الأمور حد اتهام من يجرؤ على الحديث حول الفساد بالابتزاز والوقوف في صف الأعداء، تارة بحجة التوقيت، وتارة أخرى بحجة اشعال الفتنة وخرق الصف الوطني، ترى ما الذي تغير ليثبت المدعي العام ما بح صوتي وصوت العشرات غيري في محاولات متكررة لتسليط الضوء عليه دون كلل أو ملل؟
مما لا شك فيه أن زلزال الانتخابات الفلسطينية سيكون له توابع عديدة وهزات ارتدادية تسقط ما تبقى من رموز الفساد والعفن، خاصة من يحملون لواء الاصلاح الكاذب وهم غارقون في الفساد والافساد، وما قام به المدعي العام اليوم الأحد 05/02/2006 هو أول هذه التوابع، وكأن لسان حاله يقول: بيدي لا بيد عمرو، حتى لا يجيّر فتح ملفات الفساد لصالح حركة حماس، وحتى يظهر الأمر وكأنه انجاز من انجازات عبّاس التي لم نرى منها شيء يذكر، خاصة بعد أن أعلنت حماس أن من أول أولوياتها فتح ديوان للمظالم لرد الحقوق لأهلها، وهو ما كان سبباً في هروب العديد بما خف وزنه وغلا ثمنه.
حاول المغني نفي هذه الحقيقة، كمن يؤكد الأمر بنفيه، عندما قال أن المؤتمر الصحفي الذي عقده كان معداً له ليوم 20/12/2005 إلا أن عبّاس طلب التأجيل حتى لا يعتبر جزءاً من الحملة والدعاية الانتخابية، وأن فتح الملفات كان على سلم أولويات عبّاس، وهنا لابد من طرح بعض الملاحظات التي تنسف هذا النفي والافتراض:
لا يوجد أي تفسير إلا أنه محاولة استباقية لفتح ملفات الفساد الذي وعدت به حماس وليظهر الأمر وكأنه قرار رئاسي بحت يعزز موقف عبّاس الضعيف، بعد فشله في تحويل حكومة حماس القادمة إلى خيال مآتة من خلال محاولات مكشوفة لسحب الصلاحيات الأمنية بجعل الأجهزة الأمنية من ضمن مسؤولياته في خرق واضح للقانون الأساسي، وكذلك التمسك بشماعة منظمة التحرير الفلسطينية التي سعى وبكل قوة لتحجيمها، وأخيراً بإضعاف الحكومة القادمة مادياً من خلال حملة الاستعداء لحجب المساعدات، ومعنوياً بسحب سلاح الفساد والمحاسبة الذي رفعته حماس في وجه الفاسدين واللصوص ومصاصي الدماء.
لا أكتب منتقداً بل أكتب حتى تسمى الأمور بمسمياتها، وإحقاقاً للحق الذي يراد له غير ذلك، لكن رغم ذلك، ورغم كل ما سبق، أقول أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وخطوة مرحب بها وبكل قوة، شريطة أن تُتابع هذه الملفات وأن تفتح جميعها دون استثناء، بما فيها قضية المعابر والتعذيب في أقبية الوقائي، والثراء الفاحش، والتآمر على شعبنا مع الاحتلال وغيرها من الأمور التي نعرفها جميعاً، وشريطة أن لا تكون هناك حصانة لأحد خاصة "الحيتان" من دعاة الاصلاح.
ها قد أثبتت الأيام الحقائق التي صرخنا بها لسنوات، وظهر كذب وادعاء الأدعياء ممن ألبسوا الحق ثوب الباطل، وبدأت اليوم أولى الهزات الارتدادية لزلزال الاربعاء الفلسطيني العظيم، حتى وان حاول البعض ان تكون خطوة استباقية، وبدأت أيضاً بشائر الخير ببزوغ فجر الحساب والعقاب لمن ظنوا أنهم سيخلدون في عرش الفساد والظلم والبغي.
في إنتظار السقوط الكبير لرموز الفساد والإفساد.
د.إبراهيم حمّامي DrHamami@Hotmail.com">DrHamami@Hotmail.com 05/02/2006 |
مجلة فكرية ثقافية عامة بإشراف حكمت الحاج وتحرير نادية حنظل و لقاء الحر و كاتارينا اسكسون و محمد علي أحمد
٢٦/٢/٢٠٠٦
هزة ارتدادية أم خطوة استباقية
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق